عبد الشافى محمد عبد اللطيف
141
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
ألوية الحروب للقادة ، ويبعث منه رسله وسفراءه لملوك وأمراء العالم ، ويستقبل الوفود . باختصار فقد كان المسجد مقرّا لنشر الدعوة ومركزا لإدارة الدولة . ثانيا : المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، وقد لا يتصور البعض أن هذه كانت خطوة هامة في إقامة كيان الدولة الإسلامية ، فالمهاجرون والأنصار هم نواة المجتمع الجديد فتوثيق العلاقات بينهم أمر ضروري ، خصوصا وأن الأساس الذي قامت عليه المؤاخاة أساس جديد لم يألفه العرب أو يعرفوه من قبل بل هو من ثمرات الرسالة الإسلامية ، فقد قامت المؤاخاة على أساس العقيدة ، والعقيدة وحدها ، وهذا مؤشر في غاية الأهمية إلى أن الأمة التي يريد الإسلام إنشاءها لن يعترف فيها بأية رابطة تقوم على العصبية أو العنصرية القومية أو الجنسية ، فالرابطة الوحيدة التي يقيم لها الإسلام وزنا هي رابطة العقيدة : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [ الحجرات : 10 ] وقد ضرب النبي صلّى اللّه عليه وسلم مثلا عمليّا على ذلك ، حين آخى بين عمه حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة مولاه « 1 » ، وهذا كله جديد في بيئة تقدس الأحساب والأنساب وتؤمن بالعصبية . ثالثا : معاهدة المدينة ، أو الكتاب الذي كتبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بينه وبين اليهود . فبعد أن آخى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، واطمأن إلى موقفهم وسلامة جبهتهم التفت إلى المدينة ككل ، فأراد أن يضع لها نظاما أو أساسا ثابتا يحدد العلاقات والحقوق والواجبات بين سكانها جميعا ، مسلمين وغير مسلمين ، فقد كان يقيم في المدينة اليهود ، فما وضعهم في الدولة الجديدة ، فاليهود قبل الهجرة كانوا يتقاسمون الزعامة في المدينة مع الأوس والخزرج ، بل أحيانا كانوا يتغلبون عليهم ، والآن فالوضع قد اختلف ، بل تغيّر تغيّرا كاملا ، فالأوس والخزرج قد آمنوا باللّه ورسوله ، وأسلموا زمامهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلم أما اليهود فلم يؤمنوا ولم يقبلوا الرسالة ، بل فضلوا البقاء على دينهم ، فلا بد من تحديد موقفهم في الدولة الجديدة بشكل واضح وبنصوص صريحة يرجع إليها عند الضرورة ؛ فكانت معاهدة المدينة التي تعطينا دليلا آخر على عالمية الإسلام كرسالة وعالميته كدولة ، وطبيعته التنظيمية . فقد نظمت تلك المعاهدة كافة الحقوق والواجبات والالتزامات بين سكان المدينة جميعا ، المقيمين فيها من قبل والمهاجرين الوافدين إليها ، واعتبرتهم جميعا سواء في
--> ( 1 ) انظر المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار - سيرة ابن هشام ( 2 / 123 ) ، ابن سعد - الطبقات الكبرى ( 1 / 2 / 1 ) وما بعدها . دار صادر بيروت ، ود . هيكل - حياة محمد ( ص 223 ) .